«صائد طيور الجحيم» ينهل من التراث الياباني

0 تعليق ارسل طباعة

كلباء: علاء الدين محمود

تواصلت في المركز الثقافي لمدينة كلباء عروض وفعاليات مهرجان كلباء للمسرحيات القصيرة، وشهد أمس الأول تقديم عرضين هما: «صائد طيور الجحيم»، و«مأساة الحجاج»، وسط حضور من الجمهور وضيوف المهرجان.
العرض الأول «صائد طيور الجحيم»، هو نص من تقاليد فن «النو» الياباني، إخراج شعبان بن سبيت، وتمثيل هاني عبيد الزعابي في دور ايما، ونبيل محمد سالم، كيوبوري، وعبيد علي عبيد، عفريت الملك.
عبر هذا العرض يقتحم ابن سبيت مجالاً جديداً، فلئن كانت كل عروض المهرجان السابقة مستلهمة من التراث الغربي فإن المخرج اختار أن يتجه شرقا لينهل من التراث الياباني العريق ويتخير هذا النص القديم مجهول المؤلف، حيث كتب في القرن السادس عشر، وينتمي لتقاليد النو، التي تعني الفن أو المهارة، وهو مسرح خرج من رحم التقاليد الارستقراطية والدينية، ويعتمد على حكايات بسيطة لكنها محتشدة بالرموز والروحانيات، و توظف فيه الأقنعة، بالاضافة إلى تقنية الصمت، وحركة الجسد المدروسة والمعقدة.
قصة العرض في غاية البساطة؛ إذ تحكي عن شاب يصطاد الصقور، ويلقى القبض عليه بتهم خطيئة إزهاق الأرواح من قبل ملك الجحيم، وتجري حوارات حول الخطيئة والذنب، ويدافع الشاب عن نفسه بالاعتراف بأنه مذنب، لكن ذنبه بسيط بالمقارنة مع الخطايا التي تُرتكب ويطلب العفو والصفح من الملك، الذي يشترط عليه أن يصطاد له طيوراً فإن أعجبته صفح عنه.
ركز العرض بصورة أساسية على تناول حياة الفقراء، وحاول عبر ذلك أن يجعل العمل متوافقاً مع العصر، وقد جعل من الصقور رمزية للسلطة، فالشاب كان يقف ضد الظلم وينحاز إلى جانب البسطاء، وجاءت الحوارات معبرة عن الفكرة بلمسة شعرية جميلة، وقد فارق المخرج النص الأصلي الياباني عبر توظيف الكوميديا الخفيفة المتزنة، فكان أن مزج بين الفكاهة والتراجيديا، وقد أفلح في خلق خطاب فكري من هذا العمل رغم بساطته، وأدخل بعضاً من الثقافة العربية في العرض، وأكثر من استخدام الرموز ليلقي بعملية تفكيك وقراءة العرض على عاتق المتلقي.
ويبدو أن خلفية المخرج كفنان تشكيلي ومصمم أقنعة جعلته يتجه نحو المسرح الياباني الحافل بالصور والتشكيلات البصرية والألوان والجمل الشعرية والحركة، فقد سعى إلى خلق حالة مسرحية تتوافق مع اهتمامه، ونجح في تقديم عرض بصري لافت، واستعان بالاكسسوارات المستخدمة في المسرح الياباني مثل الأقنعة والأزياء، كما جاء أداء الممثلين متميزاً وفق انضباط والتزام بالإيقاع الذي يتطلبه العرض، كما أنه لم يعتمد على فرد واحد بل الجميع، كما جاءت الموسيقى متوافقة مع فكرة العمل، وكذلك الطبول التي وظفها المخرج لكونها من سمات مسرح النو.
وعقب العرض تحدث المخرج في الندوة التطبيقية وأقر بأن العمل انطوى على مغامرة كبيرة وكاد أن يتراجع عنه إلا أنه عاد وأصر على المواصلة وساعده فريق العمل في صنع عرض مميز ومختلف.
أما العرض الثاني مأساة الحجاج، فهو من إخراج رمزي مجدي عباس، وتمثيل: أحمد بركات الذي جسد شخصية الحجاج بن يوسف الثقفي، وحنان دحلب، سعاد، وهشام البياع، طالب العلم، ومحمود يوسف، النجار، ومحمد ممدوح، الحجام، ووائل يوسف، الخادم في الحمام، ومحمود إبراهيم، أحد الفقراء، ومحمد أحمد،الأجنبي.
ومزج المخرج في العمل بين نصي صلاح عبد الصبور، مأساة الحلاج، وفاروق جويدة، دماء على ستار على الكعبة، لكن المخرج اعتمد في العرض بشكل أساسي على نص جويدة، ليصنع عرضا شعريا بصور وتشكيلات جمالية، نزع فيه نحو التراجيديا والتركيز على فكرة الديكتاتور وكيف يصنع من قبل العامة، وحمل المخرج العرض بالكثير من الأفكار والمقاربات الإيديولوجية عبر حشد من الرموز والدلالات، فالنص ينفتح على مشهد إعدام الحلاج وكلماته الاخيرة، ثم هتاف العامة بأنهم هم الذين قتلوا الحلاج بصمتهم، لينتقل إلى مشهد الحجاج بن يوسف وهو يخاطب الناس الذين يهتفون بحياته وهم من الفقراء المغلوبين على أمرهم، فالعامة هم من يصنعون الديكتاتور بخضوعهم وصمتهم أيضا.
وفي العرض، نستمع إلى مرافعة كبيرة من قبل الحجاج عن نفسه، فهو ينفي عنه صفة البطش وسفك الدماء، وأنه ما أراد من الدماء التي سالت في عهده إلا أن تظل شمس الإسلام مشرقة لا تغرب وتتوسع رقعتها، فالعرض أراد أن يقول إن الديكتاتور يجد المبررات دائماً لنفسه ولمنهجه في الحكم.
العمل في خلاصته عبارة عن رؤية تعتمد على إعادة قراءة لشخصية الحجاج وحكمه وعصره، مقرونة بقراءة أخرى للحلاج وكلماته، فهو سعى نحو تأكيد دور المثقف الحقيقي وإنتاجه للمعرفة التي تواجه الظلم والظالمين.
وعقب نهاية العرضين، شهد فندق بلو دايموند، مقر إقامة الضيوف، لقاء بين المخرجين والمشرفين، حيث كرم أحمد بو رحيمة مدير إدارة المسرح بدائرة الثقافة، مدير المهرجان، المشاركين في المهرجان.

سينوغرافيا مقتصدة

يكثر المخرج في عرض مأساة الحجاج من الإسقاطات السياسية والإشارات، فالحجاج يجلس على كرسي ضخم، دلالة على أن الديكتاتور مهما فعل من أجل الناس لا يستحق أن يحكم، ثم ينتقل العرض إلى مشهد يتصارع فيه الناس حول الكرسي ويدخل في تلك اللحظة رجل أجنبي بملابس عسكرية كتلك التي تستخدمها جيوش الرومان، ليشير إلى أن الصراعات العربية كانت تجري في وقت يتهدد فيها الأعداء العالم العربي، وقد وظف المخرج الكثير من الدلالات التي يريد منها أن يسقط ما جرى في التاريخ على الراهن العربي.
العرض اعتمد على سينوغرافيا مقتصدة، وكانت الأزياء معبرة عن الحقبة التاريخية التي جرت فيها الأحداث، وتم توظيف طقوس وموسيقى صوفية أثرت العرض، كما جاء الأداء التمثيلي جيدا، وقد لقي العرض استحساناً كبيراً من قبل الحضور.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق