لماذا سقط العهد العوني إلى هذا الدرك؟

0 تعليق ارسل طباعة

معظم العهود الرئاسية  في لبنان كانت تنتهي بصدام أو صراع سياسي عميق وعمودي بين أجنحة الحكم، باستثناء عهدي الرئيسين فؤاد شهاب والياس سركيس.

استعلاء الرئيس
المشاكل التي تؤدي إلى الصراع المحتوم، ناجمة عن منطق الاستعلاء الذي كان رؤساء الجمهورية يمارسونه على الآخرين. قبل اتفاق الطائف كان الاستعلاء يستند إلى قوة دستورية، نظراً لصلاحيات رئيس الجمهورية الواسعة والقوية. أما ما بعد الطائف فالمشكلة مختلفة وأصعب، لأن رئيس الجمهورية لا يمكنه الاستعلاء استناداً إلى صلاحياته، بل إلى موازين سياسية. وإذا أراد ممارسة  الاستعلاء أو كسر التوازنات، فهو يحتاج إلى قوة سياسية محلية وإقليمية تدعمه. وهذا ما هو حاصل اليوم في ولاية الرئيس ميشال عون، والتي يُحرص على أن يطلق عليها تسمية "عهد"، في إشارة إلى محاكاة ماضي العهود الرئاسية المجيدة، الكاملة الصلاحيات والقفز فوق اتفاق الطائف.

استعلاء الرئيس بشارة الخوري، وشقيقه السلطان سليم - يتشبه به كثيراً الوزير جبران باسيل - أدى في النهاية إلى سقوط الخوري، بعد تمديد عهده، بثورة بيضاء وبعصيان مدني لمدة ثلاثة أيام. بعد الخوري انتخب كميل شمعون أحد ابرز الزعماء الموارنة، وأكثرهم سحراً ودهاء، وهو أقدر من أجاد استخدام صلاحياته الرئاسية. ارتكز على قوته المسيحية وتحالفاته الإقليمية والدولية، وأبرزها حلف بغداد. واستخدم هذا كله لتعزيز موقعه الداخلي والتعالي حتى على من انتخبوه أو خصومه السياسيين. وانتهى عهد شمعون بثورة مسلحة دامية. وأحد الأسباب الداخلية كان سعيه إلى تجديد ولايته.

والمفارقة أن الرئيسين الخوري وشمعون سقطا في الأيام الأخيرة من عهديهما. وبرزت معارضتهما  في السنتين الأخيرتين من عهديهما أو في السنة الأخيرة.

لحود - عون
أما ما يجرى مع الرئيس ميشال عون، فغريب جداً على الرغم أنه كان متوقعاً. المعارضة الشرسة لعهده وممارساته، بدأت منذ اليوم الأول، عندما أعلن الرئيس نبيه بري الجهاد الأكبر، وبدأت المعارضة تتسع لتشمل وليد جنبلاط والقوات اللبنانية. لم يشهد عهد رئاسي هذا الحجم من السخط والاستياء، كما هي الحال في هذه الأيام. معارضة عون لا الحريري كانت حاضرة بقوة منذ اليوم الأول للعهد العوني. وهذا لم يكن يحصل، حتى لإميل لحود، على الرغم من الاستشراس ضده بعد التمديد له، وارتكازه الصريح على التهديدات والاغتيالات السورية لخصومه السياسيين.

إنها معادلة الرئيس القوي التي يستنسخها عون عن شمعون، وباسيل عن شخصيات كثيرة، منها السلطان سليم ومنها شمعون وبشير الجميل. لكن تقليد باسيل هذه الشخصيات جاء رديئاً ومستفزاً. فمن يقلّدهم كانوا أصحاب كاريزما ومحببين للناس. لكن عون أراد  فرض قوته بالاستعلاء والمكاسرة، وضرب اتفاق الطائف، والدستور، وتعزيز مفهوم التعصب الطائفي والمذهبي. لكن الأمور انقلبت عليه على الرغم من  أن طريقه الحرير كان سالكة إلى قلوب المسيحيين. والانفجار الاجتماعي - السياسي الذي حصل في المناطق اللبنانية كلها، أثبت وعياً هائلاً في رفض منطق "حروب الوجود الوهمية" التي طالما لعب عون وباسيل على وترها.

الانفلات العوني
فائض القوة المتفلتة من أي عقلانية، هي التي تؤسس لانفجارات اجتماعية - سياسية متتالية، وهي التي تكاد تنهي عهد عون في سنته الثالثة، نتيجة ما شهدته المناطق اللبنانية من تظاهرات، لم تكن تستهدف الحريري بشخصه، بل التركيبة التي فرضها عون وصهره وحزب الله: من الثلث المعطل، إلى التحكم برقاب اللبنانيين، إلى الادعاء بعنجهية كاملة القفز فوق الطائف واستعادة الصلاحيات. وبعد الانفجار خرج يقول إن الصلاحيات ليست لديه. تماماً كما ناقض نفسه حين قال إنه لم يستطع إنجاز وعوده لأن شركاءه لم يسمحوا له، لكنه عاد وأبرم اتفاقاً رباعياً جديداً مع هؤلاء الشركاء.

يحتفل العهد بسنته الثالثة، لكن الممارسة السياسية لأركانه لا تزال على حالها: الاستمرار بتشويش العقول، وتجاهل كل ما يجري في الشارع. وهذا بتعميم نموذج واحد على مسؤولي ونواب تيار العهد، للتعايش مع حال إنكار تامة للواقع، وتعميمها على المؤيدين، وادعاء

أن ما يجري يصب في صالح طروحات العهد، وكأن الناس في الشوارع تهتف بحياة الرئيس، ولم تخرج الا لإعلان الولاء له. حالة الانكار هذه يعممها الرئيس بنفسه حين يقول إنه سيكون للبنانيين حكومة نظيفة. وهنا يلح سؤال: ماذا كانت الحكومة التي له فيها الثلث المعطل، ويترأس معظم جلساتها؟

الخلافة المبكرة
مشكلة معادلة القوة العونية هنا، هو أنها تريد القفز فوق كل شيء، مرتكزة على قوة محلية وإقليمية، تبدأ في ضاحية بيروت  الجنوبية  وتنتهي في طهران، مروراً بدمشق. في مقابل رئيس حكومة يعتبره الرئيس القوي وصهره ضعيفاً، ولا مشكلة في الإمعان باستضعافه، لأنه رهينتهما مع سيدهما حزب الله. وسوء تقدير الحسابات الذي عانى منه رؤساء سابقون كانوا يتمتعون بصلاحيات دستورية، وقع فيه الرئيس عون وفريقه،  لكنهم أسرعوا الوقوع، فدوى الانفجار باكراً، على إثر محاولات رئاسية باكرة لتأمين وراثة الخلف: جبران باسيل.

والانفجار الذي حصل طال تكتل العونية النيابي، والبيت العوني. ولم يقتصر التشظي على نائبين انسحبا من التكتل، ولا على انشقاق ميراي وكلودين عون، بل شمل نواباً من الصقور، كإبراهيم كنعان، وآلان عون وسيمون أبي رميا وغيرهم. وهؤلاء لا يوافقون على ما جرى، ويعيدون تقييم التجربة التي أودت بالعهد إلى درك غير متوقع: زرع الأزلام في الوزارات والإدارات، والتعنت من دون القبول بأي نقاش.


إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق