السياحة في المملكة.. انفتاح إيجابي على العالم

0 تعليق ارسل طباعة

تكتنز أراضي المملكة حياة متوارية عن الأنظار طوال قرون، حياة لم تَبُحْ بها سوى كتب الرحالة والمؤرخين الذين جابوا فيافيها، واغترفوا من معين مواقعها التاريخية والأثرية وطبيعتها البِكْر، وبقيت طَيَّا للأوراق والصحف، حتى بعثتها (رؤية المملكة 2030)، وجعلتها متاحة للزائرين من مختلف أنحاء العالم.

تهيئة الأجواء للسيّاح في اكتشاف كنوز المملكة والاستمتاع بمغامرات استثنائية

واتجهت المملكة للمرة الأولى، لفتح أبوابها لكافة السياح المُولَعِين بالاكتشاف والمغامرة والتجوال، وما كان محصوراً على الرحالة قديماً من مواقع وكنوز أثرية، أصبح اليوم بفضل التطوير والازدهار في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- مُقدَّماً للسائح العادي، الذي تنتظره البِنيةُ السياحية الراقية، والمجتمع الكريم المضياف.

وتَستهدف التأشيرات السياحية سكان العالم المهتمين بالثقافة والتراث والطبيعة والمغامرة، وتسعى إلى تهيئة الأجواء المناسبة لتلبية رغباتهم في تَتبُّع المسارات الصحيحة لاكتشاف الكنوز المخفية، والاستمتاع بتجارب ومغامرات استثنائية.

توقيت الإطلاق

واستدعت رؤية المملكة 2030 إعادةَ النظر في الامتيازات التي يتمتع بها الموقع الاستراتيجي للمملكة، الذي يعزز مكانتها كمحرّك رئيس للتجارة الدولية، ويُشكّل محوراً يربط قاراتٍ ثلاثاً، هي إفريقيا وآسيا وأوروبا، الأمر الذي يحتّم إطلاق إمكاناتِ صناعة السياحة التي تُعَدُّ من أسرع القطاعاتِ نُموّاً في العالم، والتي ترفد الناتج المحلي الإجمالي في العالم بنحو 10 %، كما يشكل احتواء المملكة للحرمين الشريفين بمكة المكرمة والمدينة المنورة، قاعدةَ جذبٍ واسعة لملايين الزوار والمعتمرين، إذ استقبلت المملكة (18.311.111) معتمراً، من بينهم (6.765.614) معتمراً قَدِموا من خارج المملكة، وفق بيانات وزارة الحج والعمرة في العام 2018م، وقد أتى نظام التأشيرات الجديد الذي دخل حيّز التنفيذ اعتباراً من 27 سبتمبر 2019، ليكون أحد عوامل الجذب السياحي التي تشرّع المجال لاستكشاف المملكة وتراثها الغنّي، وثقافتها النابضة بالحياة، وجنانها الطبيعية الأخّاذة، من جبال أبها وشطآن البحر الأحمر، مروراً بكثبان رمال الربع الخالي الذهبية، وتمكّن التأشيرةُ السيّاحَ من الحصول على زيارة متعددة لغرض السياحة تمتدّ لعام كامل، ويمكن الحصول عليها من خلال بوابة إلكترونية، ويتعيّن على السيّاح من الدول غير المؤهّلة التقدّم بطلب الحصول على تأشيرة الدخول من خلال سفارات وقنصليات المملكة، أو عبر ممثليات خادم الحرمين الشريفين في الخارج، وبدخول المملكة مجالَ الجذب السياحي، فهي تقدم نفسها للمنافسة مع مختلف الوجهات التي ظفرت من قبل بملايين الزوار، فيما تعوّل على عوامل عديدة تمتلكها، كالثقافة الفريدة من نوعها، والمناظر الطبيعية والتاريخية.

وحدة سياسية

وتكشف الخطوة عن أثر المملكة ودورها في الحفاظ على تلك المناطق المتجذّرة في التاريخ الإنساني، والغنى الثقافي والطبيعي بالجزيرة العربية، منذ بزوغ الوحدة السياسية لأرض المملكة على يد الملك عبدالعزيز - طيّب الله ثراه - العام 1351هـ / 1932م، فأصبحت مقصداً للرحّالة الغربيين والعرب والمفكرين والصحافيين الذين استفادوا من توطيد الملك عبدالعزيز لدعائم الأمن في المنطقة، وما وفّره لهم من وسائل نقل حديثة تسهّل الوصول إلى المناطق الأثرية والتاريخية، والكتابة عنها وعن أحوال المجتمع المحيط بها، وواجهت المملكة منذ تأسيسها محاولاتِ التشويه التي طالت قدرتها على تأمين طرق الحج والحفاظ على الموسم، مما يعكر قدوم الحجاج وتأديتهم الفريضة، فواجه الملك عبدالعزيز ردوداً مختلفة بلغت حَدَّ مَنْع بعض الدول رعاياها من الحج، كما أصدرت فتاوى بذلك، وتعامل المؤسّسُ بدهاء سياسي مع الأمر، فأرسل رسائله إلى مختلف الجمعيات والهيئات، كما أشرف بنفسه على تنظيم الحج للمرة الأولى، ما دعا الوثائق البريطانية إلى وصف موسم تلك السنة، بأنه حَجّ منظم لم يشهد الحجازُ مثلَه.

حملات إعلامية

واستدعى فتحُ التأشيرة السياحية اليوم، حملاتٍ إعلامية متعددة من الجهات الحكومية والقطاعات المشاركة في إطلاقها، وذلك لمواجهة سيل من الحملات المضادّة، والمحاولات الفاشلة لتكريس صورة نمطية عن الشعب السعودي، ومع ما تتمتع به المملكة من استقرار سياسي واقتصادي، فإنها قطعت الطريق أمام بعض الجماعات الإرهابية التي كانت تتربّص بزوّار المملكة من المُستأمَنين، وقد تعاملت معهم المملكة بحزم أسهم في جعل المملكة وجهة آمنة للغاية، وشيوع ثقافة الترحيب والاستضافة، ورغم تماسّ حدود المملكة مع دول تشهد أزماتٍ واضطرابات، إلا أن منطقتها الجنوبية المحاذية لليمن آمنة بالكامل، وقد استقبلت مدينة عسير السياح للاحتفال بمهرجان فلوورمان وموسم السودة، ما مَكّن الزوارَ من تجربة الثقافة الفريدة والجمال الطبيعي فيها.

انفتاح على العالم

ويُعدّ فتح المملكة للسياحة علامةً فارقة في تنفيذ رؤية 2030، التي تهدف إلى ربط المملكة بالعالم، وبناء الجسور بين الثقافات، وتنويع موارد الاقتصاد، وللتخفيف من حدة التحفّظ الاجتماعي الناشئ عن عدم التوجّه نحو استغلال الموارد السياحية طوال عقود، أصدرت وزارة الداخلية مدوَّنة قواعد سلوك تنطبق على جميع المواطنين والمقيمين والزوار في المملكة، والتي أُعِدَّتْ لتمكين الزائرين من فهم الثقافة والعادات السعودية، وتوضيح القواعد التي تحكم السلوك في المملكة، وأبدى المجتمع السعودي من خلال مواقع التواصل الاجتماعي التزامَه بتلك القواعد، واستعدادَه لتقديم جوهر التقاليد السعودية المضيافة لكل سائح، وهو ما أثبتته مواسم المملكة التي استقطبت الزوار والسياح، وشهدت مشاركة السعوديين في تنظيمها وإخراجها بشكل أبهر العالم، وأبرز الإمكانيات المحلية في توفير الترفيه وجودة الحياة.

مكانة المملكة

وتواصل المملكة في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز - حفظه الله - اتخاذ منهج واضح يتمثل في الالتزام بالإسلام عقيدةً وشريعةً ومنهجاً ومقاصد، في كل شأن من شؤونها الداخلية والخارجية، كما جعلت المواطن والوطن وبناءهما هدفاً للتنمية، وهي ماضية في هذا البناء بسواعد أبنائها، وقد نَصّت رؤية المملكة 2030 على حفظ تراث المملكة الإسلامي والعربي والوطني والتعريف به، ما انعكس اجتماعياً بدوره على دعم جهود المناطق والمحافظات والقطاعين غير الربحي والخاص، في تنظيم المهرجانات والفعاليات، واجتذاب المستثمرين المحليين والدوليين، وإقامة شراكات مع أبرز مؤسسات الترفيه الدولية، والتزمت الرؤية بالتوجّه نحو زيادة الأنشطة الثقافية والترفيهية من حيث العدد والتنوّع، وافتتاح منشآتٍ مكرسة لإبراز مواهب أبناء المملكة، كما تستثمر الأموال العامة بشكل استراتيجي لتوفير الأراضي من أجل المشروعات الثقافية والترفيهية، ودعم الكتّاب والمؤلفين والمخرجين الطامحين، بالإضافة إلى عملها على توفير منشآت ثقافية مثل المكتبات ومراكز الفنون والمتاحف، إلى جانب خياراتِ ترفيهٍ تناسب مختلف الأذواق، على أن تساهم تلك المشروعات بشكل مباشر في الاقتصاد من خلال توفير فرص الاستثمار والعمل.

أثر وعوائد

وأدت حزمة قرارات هذا العهد الميمون، إلى فتح أبواب المملكة أمام العالم، وسهّلت إجراءات استضافة أبناء الثقافات المختلفة، وغيّرت بمبدأ الاستضافة والاحتكاك الثقافي المباشر، صورةً نمطية «سلبية» تجاه المملكة وشعبها، خلقتها تنظيمات متطرّفة في وعي ولا وعي الآخر، لتكون - تلك الصورة - حلقة في سلسلة ظاهرة (الإسلاموفوبيا)، التي تتّجه بالبشرية نحو جُرُفٍ هارٍ من جحيم صدام الحضارات، وتَحُولُ دون حوارها وتعايشها وتلاقحها، في كلّ ما يَنفع الناس ويَمكث في الأرض، وتربط الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني هذا التوجّه بكونه لا يقتصر على فتح أبواب المملكة للزوار فقط، بل أيضاً للمُستثمرين في القطاع من سيداتِ ورجال الأعمال، من أجل تحقيق رؤية المملكة 2030 تحت قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسموّ وليّ عهده الأمين - حفظهما الله -، حيث جرى استقطاب 115 مليار ريال ليلة انطلاق التأشيرة السياحية، ما يؤكد ثقة العالم بمتانة السوق السعودية وفرصها الواعدة، ووفقاً لاستراتيجية السياحة الوطنية، ستستقبل المملكة 100 مليون زائر سنوياً بحلول العام 2030، في مقابل نحو 41 مليون زيارة في الوقت الراهن، كما ستكون المملكة بحلول 2030 واحدةً من بين أكثر 5 دول تستقبل السياح على مستوى العالم، بعائداتٍ تصل إلى 10 % بدلاً من 3 % من إجمالي الدخل القومي حالياً، فيما سيصل عدد الوظائف في القطاع إلى مليون وست مئة ألف وظيفة، مقابل ست مئة ألف وظيفة حالياً.

مواسم السعودية

ولا يتوقف استقطابُ السياح على المواقع التاريخية والأثرية، فهناك مبادرة «مواسم السعودية 2019»، التي انطلقت في نسختها التجريبية هذا العام، متضمنةً 11 موسماً سياحياً تُغطّي معظم مناطق المملكة، وهي نتاج جهود عدةِ جِهاتٍ حكومية، عملت منذ منتصف العام 2018 على إطلاق هذه المبادرة، تحت قيادة لجنة عليا يرأسها صاحبُ السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز وليُّ العهد نائبُ رئيس مجلس الوزراء وزيرُ الدفاع رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية ورئيس لجنة الفعاليات.

ويشمل برنامج «مواسم السعودية 2019»: موسم المنطقة الشرقية، موسم شهر رمضان المبارك، موسم عيد الفطر، موسم جدة، موسم الطائف، موسم عيد الأضحى، موسم اليوم الوطني، موسم الرياض، موسم الدرعية، موسم العلا، موسم حائل.

كما تدرس المديرية العامة للجوازات ووزارة الحج، إدراج خدمة تأشيرة مضيف عبر نظام «أبشر»، والتي تسمح للمواطن والمقيم باستضافة من يرغبون على كفالتهم الشخصية لمدة تصل إلى 90 يوماً، وستصبح متاحة مستقبلاً.

اتصال حضاري

ويرتبط فتح المجال السياحي بزيادة العوائد الاقتصادية وتنشيط حركة الأسواق في المناطق ذات الجاذبية العالية، حيث تسعى المملكة إلى جذب استثمارات جديدة كبيرة في قطاع السياحة، مما يوفر أكثر من مليون فرصة عمل بحلول العام 2030، وتؤسس الأنشطة السياحية لارتباط المجتمع بتاريخه وحضارته، وهو أحد مستهدفات رؤية المملكة 2030، التي تسعى لغرس المبادئ والقيم الوطنية وتعزيز الانتماء الوطني، وسيسهم شُبّان المملكة بدورهم في الإرشاد السياحي الذي يستلزم وعياً بالمفاهيم والقيم الحضارية القائمة في المكان، والرمزية التاريخية للأثر السياحي وموقعه.

وتكفل المواكب السياحية المُحَمَّلة بمختلف الجنسيات، صَهْرَ التجربة الإنسانية، والتبادل الثقافي والحضاري بين السياح والمناطق المحيطة بالمعالم السياحية، كما يسهم النشاط السياحي في دفع عجلة تطوير المجتمع والإسهام في حيويته.

وتدفع الأنشطة السياحية المجتمعَ لِبَثِّ الروح في الحضارة والتاريخ والطبيعة والإعمار، ما يُسهِم في تنمية الوعي بالجذور التاريخية والحضارية التي عبرت المكان عبر قرون، والتناغم مع روح الهوية المتعددة، وتحدّ بدورها من التأثّر بالأفكار الراديكالية أو الإيديولوجية.

خادم الحرمين يضع حجر الأساس لمشروع بوابة الدرعية والذي سيصبح وجهة سياحية محلية وعالمية

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق